الابتذال السياسي.. مرة أخرى

بقلم: حمود الحاتم

لئن كان قليل منا مبتكرين، فإننا جميعًا في السياسة قضاة موهوبون

بركليس مخاطبًا الآثنيين

كان افلاطون ساخطًا على الديمقراطية الآثنية، التي كانت تفترض أن أي إنسان يصلح لشغل أي منصب، ومن ثم تسمح لحالة من شيوع التعاطي مع السياسة وشؤون الحكم، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تصدر الغوغاء والدهماء للمشهد العام، وهو ما آلت إليه. لذلك كان أفلاطون يقول: “بعد أن كنت متلهفًا إلى أقصى حد للاشتغال بالشؤون العامة، أنعمت النظر في معترك السياسية فراعني تلاحق الأحداث فيها وأخذ بعضها برقاب بعض، فأحسست بدوار، وانتهى بي المطاف إلى أن أتبين بوضوح أن جميع أنظمة الحكم الموجودة الآن بدون استثناء أنظمة فاسدة، فدساتيرها جميعًا أدنى إلى أن تكون مستعصية على الإصلاح ما لم تجتمع لإصلاحها معجزة من المعجزات القديمة مع حسن التوفيق.”

غير أن هذا العيب ارتفع نوعًا ما مع الديمقراطية الحديثة، إذ إن ديمقراطية آثينا مباشرة؛ بمعنى أن لكل مواطن الحق في التصويت مباشرة على التشريعات. في حين أن الديمقراطية الحديثة تمثلية أو نيابية؛ تقوم على فكرة التنظيم السياسي، لضمان ضبط الأفراد في تعاطيهم مع الشأن العام عبر قنوات ومؤسسات تهذب الرأي العام وتقوده نحو قرارت أكثر عقلانية.

ويبدو أن هذه المهمة باتت مستحيلة التحقق في ظل انتشار الوسائل الاجتماعية؛ التي من شأنها ربط الفرد مباشرةً بالموضوعات المتعلقة بالشأن العام، بل سمحت لكل فرد في توجيه الآخرين، ومن ثم صارت المؤسسات السياسية والتنظيمات الحزبية أقل أهمية في ضبط الرأي العام، الأمر الذي يعيد للمشهد مشكلة الديمقراطية الآثنية.

والآن سَلْ: ما هي المشكلة المترتبة على انخراط الأفراد مباشرة في الشأن العام!؟

أجيبك: بأن زيادة تعاطي الأفراد مباشرة مع الشأن العام، يؤدي إلى تلاشي النظام النيابي ذاته، ذلك أن أعضاء البرلمان عندما يكفون عن تمثيل الأفراد في اتخاذ القرارات التشريعية، يتحولون إلى مراسلين أو مناديب. باعتبار أن الأفراد في حالة تعاطيهم الشأن العام مباشرة، في غنى عن وجود نائب ينوب عنهم في التفكير بالقرارات التشريعية واختيار أفضلها.

ولا ريب أن تعاطي الأفراد مباشرة في الشأن العام، دون تنظيم ينظم هذا التعاطي، يؤدي إلى فوضى في الآراء، التي غالبًا ما تكون شعبوية تشوبها العاطفة وعدم الدقة، ومن ثم تتصدر المشهد العام أكثر الآراء شعبوية، حتى لو كانت موغلة في الخطأ وتؤدي في نهاية المطاف إلى مصائب لا تحمد عقباها.

وعند هذا الحد من تحكم الأفراد مباشرة بالشأن العام، لا يمتلك أعضاء البرلمان سوى الخضوع مباشرةً لكل مطالبات الشارع مهما كانت غير عقلانية، للحفاظ على عضويته في الانتخابات المقبلة. ولن يقف المشهد عند هذا الحد، بل سيزايد السياسيون على أكثر الآراء شعبوية في سبيل حصد أكثر عدد من أصوات هذه الجماهير، ومن ثم يكون السياسي الأكثر نجاحًا هو أكثرهم خضوعًا لرغبات الجماهير، بدلًا من قيادتهم مباشرة نحو الإصلاحات اللازمة. كتب “لويس بروال” في وصف هؤلاء : “كثير من السياسيين لا يتحرجون عن الإقدام على الكذب في سبيل اكتساب الشهرة والاحتفاظ بها. فهم يتملقون بخضوع لكل أهواء الجمهور. ويغيرون آراءهم وبرامجهم كلما تبدل الرأي العام.يدافعون عما كانوا يهاجمونه، ويهاجمون ما كانوا يدافعون عنه إنهم يتبعون الرأي السائد.”

هكذا يختزل العمل السياسي إلى مجموعة من المواقف والآراء المبتذلة، لا يقصد منها سوى الشهرة وجذب الناس، وهذا لا يتأتى إلا بتهمش المؤسسات أو انتشار الفساد فيها إلى حد العجز عن قيام بدورها في الإدارة، التنظيم، وصنع القرار.

والمصيبة تتفاقم عندما يدرج كل هذا الاسفاف تحت مفهوم الحرية، وكأنما الحرية قسيمة النظام؛ فلن تكن حُرًا إلا إذا تُركت هملًا دون تنظيم! كتب نيتشة شارحًا هذا المشهد البائس؛ حيث قال:

نعيش ليومنا، نعيش بتسرع، نعيش من دون أية مسؤولية. وهو ما يسمى بالتحديد حرية، وبالتالي يصبح كل ما يجعل من المؤسسات مؤسسات محتقرًا، مكروهًا، ومستبعدًا. من جديد نعتقد أننا معرضون لخطر الاستعباد بمجرد سماع كلمة سلطة فقط.”

لذلك إعادة دور المؤسسات في قيادة الشأن العام، هو الحل لتهذيب العمل السياسي، وضمان وصول الكفاءات إلى مراكز صنع القرار، ومن ثم وقف هذا الابتذال السياسي الذي بدأ يسيطر على المشهد العام.