“تأملات في الإصلاح”

بقلم: حمود الحاتم

“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”

آل عمران ١٣٩

على الرغم من كل المآسي التي تمر بها منطقتنا، إلا إن المأساة الحقيقية تكمن في عجزنا أو تغافلنا عن إدراك السبب (المركزي) الذي أوصلنا إلى هذا المشهد البائس، لذلك أتناول في هذا المقال السبب المركزي الذي أوردنا إلى هذا المشهد، وسبيل الإصلاح.

ذكر الشيخ محمد الفاضل بن عاشور -في محاضرة مسجلة- أن المشكلات التي يعيشها المسلمون اليوم، ليست مشكلات بذاتها، وإنما طرأ الإشكال عليها طروأً، فمثلًا حكم الردة الشرعي لم يكن إشكالاً يومًا من الأيام، وإنما ظهر هذا الإشكال في العصر الحديث.

وأراد بهذا أن يبين أن الوعي شابه تغير بعدما طغت مفاهيم الحداثة الغربية التي وفدت إلينا مع الاستعمار الغربي، فبات الفرد يسائل الأحكام الشرعية وفقًا لهذه المفاهيم، بدلًا من أن يتخذ من الشريعة مرجعًا لمساءلة هذه المفاهيم.

ولكن كيف حدث هذا التغيير!؟

صنع النموذج:

تبدأ القصة مع اقتحام المستعمر عنوةً بلاد المسلمين، كتب ضابط عسكري فرنسي في الجزائر في تقرير عن انتفاضة أخمدتها قواته عامي(١٨٤٥-١٨٤٦م) يقول : “إن هناك طريقتين لتأسيس سلطة سياسية على سكان ما: طريقة القمع وطريقة التربية، والأخيرة بعيدة المدى وتعمل على العقل، أما الأولى فتعمل على الجسم ولابد أن تأتي أولًا”

وثم قال: ” الشيء الجوهري هو أن نجعل منهم شيئًا يمكن أن نحكم قبضتنا عليه. وحين نملكهم في أيدينا، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الأشياء المستحيلة تمامًا بالنسبة لنا اليوم وربما سمحت لنا بأن نأسر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم”

ذكره: وائل حلاق في قصور الإستشراق

هكذا قررت القوى الاستعمارية اخضاع المجتمعات المسلمة ثقافيًا، عبر فرض نموذج ثقافي يدعم وجودها ويمنع المجتمع من الاتصال بتراثه الذي يؤسس الهوية والدولة والقانون. بزعم التحديث والمدنية.

ولعل التمييز التحليلي الذي وضعه “غرامشي” يساعدنا على بيان المقصود، فقد ميز بين المجتمع السياسي (الجيش والقضاء والجهاز البيروقراطي) الذي يتولى السيطرة المباشرة، والمجتمع المدني والذي يعني ( المدارس والجامعات والنقابات والعائلات)، فالأول السيطرة عليه تكون بالقوة القاهرة، أما الثاني فلا يمكن السيطرة عليه إلا عبر الرضى، والذي لا يتحقق إلا بإعادة انتاجه ثقافيًا.

لذلك عمدت القوى الاستعمارية إلى صناعة نموذج ثقافي تكون له الهيمنة والسطوة، تمنع اتصال المجتمع بتراثه اتصالًا سليمًا يوصلها إلى هوية ودولة وقانون من خارج الثقافة الغربية.

“يقول كرومر إنه إذا كان الشرقي يحب أن يتجاهل المنطق تمامًا، فإن الأسلوب الصحيح للحكم لا يمثل في محاولة فرض التدابير العلمية الفائقة عليه، أو ارغامه جسديًا على تقبل المنطق. بل في تفهم جوانب قصوره (ومحاولة العثور في رضى الجنس المحكوم على رابطة أنبل، وأرجو أن تكون هذه الرابطة أقوى على التوحيد بين الحكام والمحكومين) وخلف تطيب خاطر الجنس المحكوم وترضيته يختبئ جبروت الإمبراطورية، وهو أشد فعالية حين يبدى التفهم المرهف والمهذب من فعالية اللجوء إلى استخدام الجنود،..والقوة المفرطة”

ذكره : إدوارد سعيد في الاستشراق

وعلى الرغم من اختلاف وسائل القوى الاستعمارية، إلا إنها اشتركت على أهمية إلغاء الشريعة كمرجعية للدولة، عبر عزل القضاء الشرعي عن الشأن العام، ثم إلغائه في نهاية المطاف، ودفع المدراس والجامعات الشرعية، إلى هامش الحياة العامة، وقصر دور المساجد على نواحي معينة. واستبدالها بجامعات ومدارس تسعى لإرساء المناهج الغربية، تمهيدًا لتعيين خريجي هذه الجامعات في المؤسسات المستوردة : القضاء الوضعي وأجهزة الدولة البيروقراطي.

“النموذج يصنع الأشكال، والأشكال ترفع النموذج”

غيزو

هكذا خرقت القوى الاستعمارية الوعي العام للمجتمعات المسلمة عبر فرض نموذجها الثقافي ثم صناعة مؤسسات تضمن هيمنة هذا النموذج، على المستوى السياسي والثقافي. ومن ثم تكون هناك علاقة تبادلية بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية، بحيث تغذي الواحدة الأخرى.

ويكون الفرد رهن هذه العلاقة، بحيث لا يستطيع الخروج منها، دون إدراك حجمها. لذلك هذه العلاقة مضللة إلى حد كبير، ذلك أن حجمها الكبير قادر على إيهام الفرد -الواقع فيها- أنها متسقة داخليًا، إلى درجة أنها تمنعه من التفكير أو الكتابة أو اتخاذ موقف خارج هذه العلاقة. ولا يعني هذا أنه لا توجد معارضة داخل هذه العلاقة، بل توجد. إلا إنها لا تعدو أن تكون نتاج أحد أبعاد هذه العلاقة. لذلك لا توجد معارضة تستخدم الأدوات التي ينتجها النموذج تستطيع تجاوز هذه العلاقة والخروج من نطاقها المركزي، كل ما هنالك أنها إعادة لأبعاد هذا العلاقة أو مراجعتها في أحسن الأحوال. باعتبار أن هذه الأدوات هي من نتاج هذه العلاقة لأجل تحسينها فقط، ومن ثم تعجز عن القيام بوظائف تتعارض نوعيًا مع هدف النطاق المركزي للعلاقة التي أنتجتها في الأصل.

“لا تنسوا، وقبيح بكم أن تنسوا أن المستعمر الخبيث قد اختبأ وراء كل عمل يغركم ظاهره.”

‏محمود محمد شاكر

والحقيقة أن تبدل الوعي ينقل نمط تفكيرنا وتعاطينا مع الأشياء والأفكار إلى بعدٍ آخر أو مستوى مخلتفًا تمامًا، فتبدل الوعي لا يؤثر بنوعية النتائج أو الاجابات، بل يؤثر بنوعية الأسئلة كذلك.

الخروج من المأزق !

قال تعالى : “هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ” الحديد ٩

ولا يعنى هذا أنه لا سبيل للخروج أو الانعتاق منها، بل هذا ممكنًا دائمًا، ولكنه الأمر يحتاج إلى مرجعية سامية تعلو هذه العلاقة، بحيث يستطيع الفرد إدراك حجمها وأبعادها، وتحديد نطاقها المركزي ، ومن ثم مساءلة ما تحمله من مفاهيم مسلمة بها، والتي غالبًا ما تكون غير مبرهنة، بعبارة أخرى “أسطورة”.

وعند هذا الحد من المساءلة وتفكيك الأسطورة يكون من الصعب جدًا على السلطة الثقافية تقديم حجج لتبرير هيمنة النموذج، في ظل التصديق بالمرجعية التي تسمو عليها.

هكذا تبدأ هيمنة النموذج في الضمور، إلى أن تصل المرحلة إلى فصل العلاقة بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية، بحيث تكون السلطة الثقافية غير قادرة على ضمان دعم السلطة السياسية ثقافيًا، عبر توفير عنصر الاقناع بالأشكال السياسية. وفي الوقت ذاته يكون هناك صعود نموذج هامشي آخر نحو السلطة الثقافية، ومن ثم تكون هناك علاقة عكسية بين السلطة السياسية والثقافية.

وفي الحالتين فإن السلطة السياسية لا تستطيع السيطرة إلا عبر القوة المادية، لا الرضى بعد فقدها عنصر الإقناع، ومن ثم يكون التغير واقع لا محالة، بمجرد زوال قوة السلطة السياسية أو ضعفها. أو بتسلل كوادر مهنية لا تؤمن بالنموذج المهيمن. وتبدأ بتغيير دور الأشكال السياسية للممارسة السلطة، عبر مجموعة من التأويلات أو تحويل اختصاصاتها إلى أشكال جديدة لا علاقة لها بالنموذج المهمين.

لذلك فإن المعرفة تؤسس السلطة، والسلطة تدعم المعرفة التي أسستها. وفي حال اضطراب العلاقة بينهما أو عكسها؛ فإن السلطة السياسية تكون في مهب التغيير في أول فرصة.

ومن هنا نجد الحاجة الملحة في التصديق، نعم التصديق بالشريعة كمرجعية لحياتنا. ذلك أنها تستطيع دائمًا ضمان حرية (الفرد/المجتمع) من الأوهام التي تحيط به، وتسيطر عليه ثقافيًا وسياسيًا.