مقال : حول مدى إمكانية أسلمة العلمانية
بقلم : حمود الحاتم
” إن إعادة تنظيم البلديات وإقامة أحياء استعمارية جديدة، وكل تنظيم للممارسة الإقتصادية أو الإجتماعية.. هذه العملية الشاملة لـ ( النظام ) يجب فهمها بصفتها أكثر من مجرد تحسين أو إصلاح، لقد نفذت جميع هذه المشاريع بصفتها تأطيرًا، ومن ثم أدت إلى إعادة بناء عالم من المفاهيم، يستحضر للمرة الأولى التجريدات السابقة لمفاهيم التقدم، والعقل، والقانون، والانضباط، والتاريخ، والسلطة والنظام الاستعماري”
تيموثي ميتشل – استعمار مصر
إن التنظيمات المستوردة التي جرت في بلاد المسلمين إبان الإستعمار الغربي، تركت للمسلمين نسقًا فكريًا يحمل مفاهيم جديدة للقانون والسلطة والإنسان والدين، وهذا النسق اصطلح القوم على تسميته بالعلمانية، بيد أن دعاة العلمانية بادئ الأمر كانوا يروجونها بشكل مباشر ومادي يعادي الإسلام، الأمر الذي أدى إلى نفور عام تجاهها، باعتبار أن العلمانية هي نسق فكري يتعارض صراحةً مع الإسلام، مما جعلها غير قابلة للترويج والتبشير مباشرة. الأمر الذي جعل بعض علماني العرب يحاولون تأسيس العلمانية من داخل الشريعة ذاتها، وفي هذا يقول د. عبدالوهاب المسيري بأنه “بعد فشل العلمانية المادية المباشرة في البلاد العربية، بدأ بعض العرب بتوليد العلمانية من داخل النسق الديني .” ومن هنا ظهر لنا مصطلح “أسلمة العلمانية”.
لذلك أحاجج هنا في بيان هشاشة مقولة البعض بأن : هناك إمكانية لتوافق العلمانية والإسلام.
إن العلمانية لا تعني فصل الدين عن الدولة وحسب، بل فصل الدين عن الحياة، ومن ثمَّ إسقاط الدين كمصدر للقانون والقيم والأخلاق، بإعتبار أن العلمانية لها موقف من طبيعة الدين والقيم والعقل والإنسان وعلاقته بالله . وموقفها هذا يتعارض صراحة مع الإسلام.
لذلك لا يمكن لنا أن ننساق بكل سهولة خلف من يختزل العلمانية على إنها فصل الدين عن الدولة! وفِي هذا الشأن يرى عبدالوهاب المسري :” وكثير من العلمانيين العرب لا يدركون أن العلمانية التي ينادون بها لا علاقة لها بما يتحقق في الواقع ..”
ومن هنا، أودّ الحديث عن موقف العلمانية من مرجعية الدين النهائية حتى نقف على طبيعة العلاقة بين الإسلام والعلمانية، ومن ثمَّ نستطيع الإجابة على مدى إمكانية التوافق بينهما !؟
تقوم العلمانية على مركزية اختيار الإنسان وقدرته الكلية على الحكم من دون مرجعية مقدسة، أي أن الإنسان غير محتاج للوحي. باعتبار أن إرادة الإنسان هي جوهر السيادة، ولا شيء يعلو عليها.
لذلك السمة الجوهرية للعلمانية تستلزم التقيد بالمرجع الأخير، بحيث تكون معرفة الإنسان لكيفية تنظيم شؤون حياته على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي راجعةً لاعتبارات عقلية دون الاعتبارات الدينية، بعبارة أخرى إسقاط الدين كمرجعية نهائية للحكم . وفي هذا يرى د.أحمد داوود أوغلو أن العلمانية كنسق معرفي مستمدًا من فلسفة الرومانية والأغريقية والقائمة على : “إلهية الإنسان”.
ومن هنا ترى العلمانية ضرورة وضع قواعد قانونية نابعة من العقل وحده، في سبيل اخضاع الحقل العام، بدلاً من القواعد الدينية. وبعبارة أكثر وضوحًا اخضاع الحقل العام لسلطة العقل الفلسفي كمرجعية نهائية للحكم، بدلًا من قواعد الدينية. ويرى جون والبريدج بأن : “العقل ( في عصر التنوير ) إنما يعني إحلال الفكر الفردي المستقل محل المرجعية الدينية الموروثة “
والآن سَلْ نفسك : ماهو موقف العلمانية من الدين !؟
الحقيقة أن العلمانية لا يمكن تعريفها بمنعزل عن الدين ذاته، باعتبار أن تعريفها غالبًا ما يكون سلبيًا بوصفها ما يتبقى بعد زوال الدين، لذلك نجد أن الكثير من المداد قد سال في سبيل بيان ماهو ديني وماهو دنيوي.
والسبب في هذا التقسيم أن العلمانية تفترض مسبقًا أن الدين لا يقدم حقائق مطلقة، وأحكام نهائية، ومن ثم فإنه لا يستحق أن يكون مرجعية نهائية للحكم والسلطة والمجتمع والأخلاق . وفِي موسوعة العلوم السياسية تقرر بأن : “العلمانية على المستوى العام هي : المذهب الذي يُؤْمِن بضرورة إبعاد المؤسسات والمضامين الدينية عن ممارسة أي تأثير في أي من مجالات الحياة، بما في ذلك التعليم والتشريع والإدارة”
وحاول البعض تقسيم العلمانية إلى متطرفة ومعتدلة، فالمتطرفة هي التي لا تكتفي بعزل الدين عن الشأن العام، بل تحارب الدين جملة حتى في الشأن الخاص.
أما المعتدلة هي التي تكتفي بعزل الدين عن الدينا، فلا تنكر وجود الله، ولا تحارب الدين وأتباعه، ولكنها تحصر الدين في الحقل الخاص فقط، بعبارة أخرى وضع الفرد المتدين في قالب علماني لا يخرج منه إلى الحقل العام. ويرى د.فهد العجلان أن: “هذه الدرجة العلمانية هي المفهوم الخطر الذي تسربت مفاهيمه لدى بعض الناس من دون أن يشعر، حتى جاءت بعض المحاولات والتفسيرات التي تسعى لأن توفق بين هذا المفهوم والمفهوم السياسي الإسلامي، فاندفعت عدد من التفسيرات المختلفة التي تسعى لتقديم النظام السياسي الإسلامي بكيفية متلائمة مع هذا التصور العلماني”
معركة النص صـ ١٠٩-١١٠
وفي كل الأحوال، فإن العلمانية ترى بأن الدين لا يحمل أي قدسية، بعبارة أخرى الحقائق الدينية قابلة للنقض. ومن ثم فإن الدين -بزعمها- لا يعدو أن يكون ظاهرة تاريخية أو اجتماعية معينة محدودة الإمكانيات، أو شيئًا يمكن أن تهيمن عليه طرق التفكير وفق المثل العلمانية. ومن ثم فإن تقسيم العلمانية إلى متطرفة ومعتدلة؛ لا يعني أن هناك علمانية تجعل من الدين جوهر السيادة، بحيث يكون مرجعًا نهائيًا للحكم، وكل ما هنالك أن ترتيبات السلطة وسياقات نفاذ أوامرها، هي التي أدت إلى ظهور علمانية معتدلة وأخرى متطرفة، لذلك يرى ” وليام كافانو ” بأن اعتبار شأنٍ ما دينيًّا أو علمانيًا في أي سياق من السياقات هو أمرٌ تابع لاختلافات ترتيبات السلطة.
لذلك فإن العلمانية المعتدلة لم تقتصر عند حد حصر الدين في المجال الخاص، باعتبار أنه علاقة خاصة بالفرد، بل قامت بالتدخل في الدين ذاته والعبث بأحكامه، عبر تحريم بعض أوامره التي قد تخالف المجال العام، وأبرزها فيما يتعلق بالحدود والزكاة والميراث وتعدد الزوجات, ارتداء الحجاب والنقاب في الأماكن العامة وغيرها .
ومن هنا، نجد أن العلمانية ليست حالة حيادية تجاه الدين، بل هي محاولة لإلغاء أحكام الدين المتعلقة بالشأن العام، وإخضاع الشأن العام لأحكام وضعية تقوم على اعتبارات دنيوية. إذن من الخطأ النظر إلى العلمانية على أنها محايدة، بل ينبغي النظر إليها بوصفها حضورًا وتدخلًا معينًا، لفرض أيديولوجية أو رؤية كونية أو موقفًا من الدين عبر قواعد قانونية. لذلك العلمانية ليست مجرد غياب الدين، بل هي اخضاع المجال العام والفرد لأسس معلمنة.
وحيث إن اخضاع الشأن العام يتطلب قواعد كلية ثابتة، الأمر الذي دفعهم إلى وضع قواعد أساسية مع اضفاء نوع من القدسية عليها، عبر تشديد إجراءات تغيرها. ومن ثم فإن العلمانية أسقطت قدسية الدين، لأجل إحلال نوع آخر من القدسية. وفي هذا الشأن قال عزمي بشارة بأنه : ” العلمانية هي محاولة لسرقة قدسية الدين”.
إذن العلمانية في كل تقسيماتها هي نسق فكري يؤسس أيدولوجيا دنيوية قائمة على رفض عودة الدين بوصفه المرجع الأخير والسلطة النهائية لشؤون المجتمع والسلطة والدولة.
ولا يغير من ذلك القول بأنه: من الممكن الإقرار بمرجعية الشريعة الإسلامية مع علمنة النظام السياسي، ذلك أن نمط النظام السياسي وأحكامه يتحدد وفقًا لمتطلبات طبيعة السيادة التي يعتمدها هذا النظام، ومن ثم الإقرار بسيادة الشريعة، يلزم منه الأخذ بأحكامها سواء كانت كلية أو تفصيلية فيما يتعلق بالشأن السياسي، الأمر الذي يجعل هذا القول في حالة تناقض. فضلًا عن أن أصحاب هذا القول غاب عنهم؛ أن علمانية النظام السياسي هي في الحقيقة فرع من رؤية معرفية دنيوية (علمانية) قائمة على أنه لا توجد سلطة مطلقة سواء كانت ميتافيزيقيا أو إلهية؛ بل هناك سلطة نسبية، ومن ثم محددة.
الآن سل نفسك: هل طبيعة الإسلام تتقبل هذا الموقف تجاه الدين!؟