مقال : حول ظاهرة الإنسان المكتفي بذاته
بقلم : حمود الحاتم
إن الإنسان المعاصر يمتاز بالاكتفاء الذاتي، بمعنى أنه لا يخضع في تفكيره لمعايير خارجة عن وعيه الذاتي، بحيث إن مسألة تحديد الخير والشر راجعة لذاته، ومن هنا بدأت الغايات الأخلاقية تسقط تدريجيًا من قائمة اهتمامات الإنسان.
وهذا الاكتفاء الذاتي جعل منه لا يبحث عن الغائية (خير / شر)، بل يهمه أكثر الكيفية .
لذلك تجده : لا تجذبه الأسئلة التي تبدأ بـ :لماذا ؟، بقدر تلك التي تبدأ بـ : كيف ؟
وهذا الأمر قاد الإنسان إلى نسبية الحقيقة، بحسبان إنه لا توجد حقيقة مطلقة فيما يخص الوجود، وبعبارة أخرى قُذف الإنسان إلى حالة سائلة، لا يقين فيها، سوى وعي الإنسان ذاته، فلا أخلاق يصبو إليها، ولا حقيقة مطلقة يسير عليها.
أي بلاء حدث في زماننا هذا؟ إنما هو وباء الاستهانة بكل شيء، وباء تفشى في زمننا، ولكن كيف بدأ هذا الوباء وما هي أسباب وجوده !؟ .
أجيبك بأن : هذه المشكلة بدأت حيث كانت أوروبا تعيش عصورها المظلمة، فقد كان الإنسان آنذاك يرى نفسه مجرد ثمرة الخطيئة الأصلية( الأولى)، وهي عقيدة مسيحية تشير إلى وضع الإنسان الآثم، لذلك كان البابا إينوسيت الثالث ( ١١٩٨- ١٢١٦م) الذي أطلق الحرب الصليبية الرابعة يقول : ” إن الإنسان مجرد غائط، إفراز لزج، كائن حقير .”
هكذا كان الإنسان يرى نفسه ساقطًا في الخطيئة الأصلية، محاطًا بالخرافات، لا يبحث عن الدهشة، والتفكير، فهو لا يريد إلا أن يكفر عن ذنوبه عبر الزهد والتقشف، ومن هنا كانت أسمى غاية للإنسان الغربي؛ أن يكون أخلاقيًا متدينًا لتكفير ذنوبه، لذلك فإن المعرفة المطلوبة لا تتعدى محور الكنسِّية فقط، الأمر الذي جعل الكنسية تحتكر المعرفة لسنوات طويلة .
ولكن هذا لم يدم كثيرًا، فعندما أطلق ديكارت، عبارته المشهورة : ” أنا أفكر إذن أنا موجود” جعل المعرفة تقفز من الدين إلى الوعي الإنساني المجرد؛ حيث نقل مركز المعرفة من الإله إلى الوعي بالذات البشرية، ذلك عندما فسر الإنسان ليس بوصفه مخلوقًا، وإنما وعيًا بالذات، وأن الإنسان يستطيع أن يعرف نفسه بصورة مباشرة وكاملة، ومن هنا تحديدًا بدأت أوروبا مسيرتها نحو الحداثة.
إذ إن هذا التعريف الديكارتي جعل من الاستقلال العقلي للإنسان المكتفي بذاته ممكنًا، بمعنى أن الإنسان بوعيه يستطيع أن يدرك كل شيء دون حاجة إلى الدين، بحيث بدأ العقل المجرد يشق طريقه إلى المعرفة بشكل تنافسي مع الدين.
وهكذا أسس الفرد الغربي المنهج العلمي الحديث بعيدًا عن الدين الكنسي، بل يحاربه ويجعل حقائقه محل الشك والإزدراء.
وصار الإنسان – لأول مرة- يرى بأن العلم يكمن في مجاوزة الدين، ومن ثم احتدمت المواجهة بين الكنسية والمفكرين، وعندها بدأ الإنسان المكتفي بذاته يتخذ موقفًا على عاتقه منفردًا، الأمر الذي جعله يطالب بالحرية بشحنتها التفجيرية للحفاظ على مكانته الاجتماعية التي بات يفقدها تدريجيًا على إثر مواجهة الكنسية بالمعرفة العقلية المتحررة من التعاليم الدينية، ومن ثم ارتبطت الحرية بمفهومها الحديثة بالإنسان المكتفي بذاته.
لذلك بات مفهوم الحرية الغربية يحمل في ثناياه معاداة الدين والتمرد على أحكامه، الأمر الذي يتطلب معه أن الحرية لا يستحقها إلا الإنسان المكتفي بذاته، دون ذلك الإنسان الذي يتخذ من الدين مرجعية نهائية، باعتباره يؤمن بالرجعية والظلامية.
ومن هنا اجتاحت أوروبا ثورة مدججة بالنزعة التحريرية، يريد أربابها تأسيس القانون والمعرفة والقيم بعيدًا عن الدين، وهذه الثورة عصفت بالنظام الاجتماعي في الغرب، وهزت أركانه، الأمر الذي اختل معه التوازن السياسي في النظام القديم، فصار المجتمع في مهب الفوضى السياسية، يعيش الاضطرابات تلو الأخرى.
فبدأت المطالبات بتدخل الدولة بشكل أكبر في المجتمع لتحل محل المؤسسة الكنسية، لاسيما سلب الكنيسة حقها في التشريع، والإضافة الجوهرية هنا أن معيار تحديد الخير والشر، بدأ وضعه بأسس دنيوية بعيد عن الدين ذاته. بمعنى أخر أضحى من المستساغ القول: بأن خيرية الفعل أو سلوك معين مرده إلى المصلحة الدنيوية أو المنفعة المادية .
وهذه الصيرورة الغربية أدت إلى الاستقلال المطلق للإنسان بوصفه معيارًا للخير والشر، لا يعترف إلا بما يعرض على محكمة وعيه الذاتي. وبعبارة أخرى تحول المطلق من الإله إلى الإنسان ذاته، وبهذا أطلق نيتشة إعلانه التالي :
“الإله قد مات ”
ونيتشة لا يريد بهذا الإعلان، موت الإله حقيقةً، بل أراد غياب الإله عن وعي الإنسان الغربي، أي أن المتحكم وصاحب السيادة هو الإنسان الأخير أو الأعلى بحسب تعبير نيتشة .
وهذا الإنسان الأعلى لا يرى في الوجود مطلق، فالوجود عنده نسبي متأرجح بين نسبية الحقيقة وعدمية الغاية البشرية، فهو ذاتي في معاييره، مفرد في أفعاله، لا يرى في الحياة غاية محددة، سوى لذته ومنفعته المادية.
وهذا ما قصدته بالإنسان المكتفي بذاته، المتحرر من كل مرجعية أخلاقية ودينية، الذي لا يثق إلا بوعيه فقط، حتى لو كان هذا الوعي مزيفًا أو مجرد وهم، وفي هذا قال جون والبريدج إن : ” العقل ( في عصر التنوير ) إنما يعني إحلال الفكر الفردي المستقل محل المرجعية الدينية الموروثة ”
خلافة العقل صـ ٤٦
ولكن المصيبة ليست هنا، بل حالما يتخلص الإنسان من المرجعية المطلقة، يتحول هو ذاته إلى مطلق دون أن يشعر بذلك، بحسبان أنه عندما يكون هناك معيار مطلق للعدالة ؛ نستطيع تمييز الخير من الشر بشكل ممنهج، ولكن عندما يفتقد هذا المعيار قيمته المطلقة، ويهبط من دور الإطلاق إلى النسبية، تضحى الأمور متداخلة بعضها ببعض، وتسقط ثنائية الخير والشر تلقائيًا، ويصبح كل شيء قابل أن يكون خيرًا وشرًا في آن واحد .
ومن هنا تبدأ الفوضى في تحديد الخير والشر، اذ إن تجريد المرجعية التي يُحتكم إليها في تحديد الخير والشر من قيمتها المطلقة والعليا، سيصعد تلقائيا من يقوم مقام هذه المرجعية، وهو العقل الذي على أساسه يتحرك الإنسان بمنهجية نابعة من عقله ذاته، أي إسقاط المعيار المطلق بدعوى العقلانية للرجوع إلى العقل ذاته، ولكن هنا تظهر المشكلة الأكثر إثارة ؛ ألا وهي عقلية من ستحل بدلًا من المعيار المطلق في تحديد الخير والشر !؟ لاسيما إذا تكاثرت ادعاءات العقل!، من سيقرر أكثر هذه الإدعاءات عقلانية !؟ بل ما هو المرجع في تحديد عقلانية الإدعاء الفائز بالأكثر عقلانية !؟
لعل ” نيتشة ” هو الأكثر دقة في الإجابة على ذلك : إذ قرر بكل وقاحة أن المرجع في تحديد الخير والشر هو الإنسان القوى أو الأعلى !
لذلك نرى بأن الإنسان المطلق -والحال كذلك- بدأ يرتكب أفظع الجرائم وحشية بتاريخ البشرية دون أن يرف له جفن، بحسبان أن هذه الجرائم مبررة عنده ما دام يسعى للسيطرة على الطبيعة وتحقيق رغباته في السيادة، بحيث يكون السيد الآمر الناهي، وقد صدق مصطفى الرافعي حيث قال :
“كُنْ إنسانًا لا أكثر، فإنَّكَ تُحاول أن تصير إلٰهاً فتصير شيطانًا! “
(حديث القمر/ ص٢٧)
لذلك الإنسان الذي يحاول أن يؤسس الخير والشر من داخل وعيه الذاتي، ينصب نفسه مطلقًا من حيث لا يعلم، بعبارة أدق يدمج سلوكه وأفعاله بمعيار (الخير والشر) ذاته، بحيث تصير أوامره ونواهيه معيارًا للخير والشر .
وفي هذا يقول ليو شتراوس ( تاريخ الفلسفة السياسية ص٦١٠ ) : “أن أولئك الذين يستمدون العقل من كشف الكل يقعون بسهولة في اللاعقل الأسمى والأكثر بشاعة “.
ومن هنا ظهر الإنسان المتوحش، أمثال : موسوليني وهتلر وستالين، اذ لا يمكن تبرير وجود هؤلاء المجرمين على سدة الحكم، دون النظر إلى الحالة الفكرية التي سبقت وجودهم.بحسبان أن الحركات الفاشية والنازية والسوفيتية لم تسقط علينا فجأة من السماء، بل هي تطور سريع للإنسان المكتفي بذاته، والمتحرر من كل مرجعية أخلاقية أو دينية.
ولعل حالة الجنرال الفرنسي “بول أوسارس” أبلغ في التمثيل؛ إذ إنه صاحب أبشع الجرائم إبان الثورة الجزائرية، حيث تلذذ بقتل عشرات الجزائرين تحت التعذيب، إلا أن فرنسا لم تكتفِ في عدم محاكمته على جرائمه، بل منحته أرفع الأوسمة ألا وهو جوقة الشرف، لأنه أظهر سيطرة فرنسا وسيادتها .
والحقيقة أن هذه الصيرورة الغربية لا يمكن أن تصل إلى هذه العدمية المتوحشة، إلا بعد أن تفلت الإنسان الغربي من مرجعيته الدينية، وبدأ يتدحرج نحو العدمية والبعثية.
وقد جسد هذا المعنى “دوستوفسكي” في روايته الرائعة الأخوة كرامازوف، حيث قال : “إذا كان الإله غير موجود، فكل شيء مباح للإنسان”
والآن حريًا بنا أن نسأل : كيف لنا كمسلمين مدافعة هذا البلاء !؟
أعتقد بأن هذا البلاء لا يدفع إلا بتعزيز الشريعة الإسلامية، التي بها ينقاد الإنسان للأخلاق، ومن ثم يشعر بإنسانيته، باعتبار أن الشريعة تعتني بالإنسان من حيث إنه كائنٌ أخلاقيٌ له غاية محددة، وهذا لا يتأتى إلا بترسيخ عقيدة التوحيد .
ولَك أن تتساءل ما هي علاقة العقيدة، بأن يكون الإنسان إنسانًا بحق !؟
لعل الإجابة عن هذا التساؤل يكون في مقالٍ آخر بإذن الله .