مقالة : حول التعديلات الدستورية في تركيا
بقلم / حمود الحاتم
كثر الحديث حول الأوضاع السياسية في تركيا، لاسيما بعد موافقة البرلمان التركي على اقتراح حزب (العدالة والتنمية) وحليفه الأساسي حزب (القومي)، بشأن اجراء انتخابات رئاسية مبكرة بتاريخ ٢٤/٦/٢٠١٨، بدلًا من موعدها المقرر بتاريخ ٣/١١/٢٠١٩ بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة .
ولكن هل هذه التعديلات تعزز الديمقراطية في تركيا !؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال من دون معرفة سياق النصوص الدستورية التي طالتها التعديلات الأخيرة، لذلك سنحاول أولًا معرفة هذا السياق !
كان النظام السياسي في تركيا قبل التعديلات الدستورية الأخيرة، يميل بشكل واضح إلى النظام البرلماني، الذي بدوره يعطي البرلمان سلطات واسعة على حساب مؤسسة الرئاسة . كما ينص الدستور التركي الصادر سنة ( ١٩٨١م ) على حق البرلمان في انتخاب رئيس الجمهورية بموافقة ثلثي الأعضاء .
ولكن في عام ( ٢٠٠٧م ) تم اجراء تعديلًا دستوريًا عبر الاستفتاء العام، نص على انتخاب رئيس الجمهورية بالإقتراع المباشر من الشعب، وهذا التعديل أعطى قوة كبيرة لمنصب رئيس الجمهورية، بدعم جماهيري وزخم شعبي، لاسيما في مواجهة المؤسسة العسكرية، وستبرهن عليها محاولة الإنقلاب العسكري الفاشلة لاحقًا .
وبعد محاولة الإنقلاب العسكري الفاشلة، أدرك حزب العدالة والتنمية حجم قوته على أرض الواقع، فبادر بتصفية خصومه السياسين، عبر موجات من الإعتقالات في صفوف ضباط الجيش والقضاة والصحفيين، بل طالت الإداريين والمعلمين في المدارس والجامعات، فضلًا عن إغلاق مؤسسات إعلامية وتعليمية .
وبعيدًا عن بواعث هذه الإجراءات التي لا تخلو من الغرابة!، إلا أنه من الواضح أن هذه الإجراءات كانت كفيلة بإبعاد الساسة الفاعلين من الساحة السياسية، وأقصد بالفاعلين الذين باستطاعتهم احداث فارق في الموازنة السياسية، في حال قرر الحزب الحاكم إحداث تغييرات جوهرية في النظام الدستوري، وبعبارة أخرى تغيير النظام السياسي في تركيا، وستبرهن حزمة التعديلات الدستورية الأخيرة على فاعلية هذه الإجراءات لاحقًا .
وعندما قام الحزب الحاكم بالإجراءات التطهيرية أو إن شئت الأمنية، استفرد حزب العدالة والتنمية بالساحة السياسية، بل صار أردوغان وأصحابه على بعد خطوات من تحقيق حلمهم الكبير، ألا وهو تغيير النظام السياسي في تركيا، عبر إحداث تغيرات جوهرية على الدستور التركي الصادر سنة (١٩٨١م)، وهذا ما حدث عندما تمت الموافقة على حزمة من التعديلات الدستورية عبر الاستفتاء الشعبي الذي أجري في عام ( ٢٠١٦م ) .
وقد تتساءل لماذا يريد الحزب الحاكم تغيير الدستور !؟
يرى الكثير من الباحثين أن الدستور الحالي يقوم على توزيع السلطات بشكل معقد، بحيث يعرقل صدور القرارات السياسية بشكل سليم، ولا يوفر الاستقرار المطلوب في حالة نشوب أزمة سياسية، إلا بتوافر أغلبية خاصة في البرلمان. وهذا الأمر وإن تحقق بشكل استثنائي منذ وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس أردوغان، إلا إنه من الصعب ضمان استمراره .
وأمام وجوب التوافق بين ثلثي أعضاء البرلمان لتشكيل الحكومة، ومن ثم توفير بيئة مستقرة للقرار السياسي، وما يستتبعها من تنازلات ومفاوضات، نجد أن هذا الدستور في بعض نصوصه، يوطن صلاحيات المؤسسة العسكرية السياسية عبر المجلس الأمن القومي والقضاء العسكري، الذي لطالما عانى منه رموز التيار الإسلامي وأبرزهم الرئيس ” أردوغان “، فضلًا عن أن هذا الدستور لا يكفل الحقوق والحريات بشكل فعال، ويكفي للدلالة على ذلك؛ أن هذا الدستور صدر بإشراف المؤسسة العسكرية بعد أن قامت بالإنقلاب الدموي عام ( ١٩٨٠م ) . وقد قيل في هذا الشأن : ” بأن وثيقة الدستور الحالي تشبه إلى حد كبير تقرير الشرطة ”
ومن هنا جاءت رغبة الكثير من الساسة الأتراك في تغيير الدستور، وأبرزهم حزب العدالة والتنمية الذي أخذ على عاتقه منذ بداية وصوله للحكم، مواجهة التعقيدات البرلمانية من جهة، والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، عبر حشد القوى الجماهيرية خلفه، لتعطي القوى الكافية لتمرير القرارات الحكومة، ولضمان عدم عرقلة خطواتها نحو التنمية والإصلاح، بعبارة أخرى توفير بيئة آمنة لمشروعها الإصلاحي، وقد نجح الحزب في ذلك أيما نجاح، وبلا شك كانت المهمة شاقة ومضنية تحفها المخاطر، ولا يدرك ذلك إلا المطلع على تاريخ تركيا السياسي .
وأمام كل هذا النجاح الساحق، والقدرة الكبيرة في السيطرة على القرار الشعبي، إلا أن المهمة لم تنجز بعد، إذ يدرك قادة الحزب بشكل خاص، وعموم المهتمين بالأوضاع السياسية التركية، أن قدرة الحزب في تجاوز تعقيدات النظام البرلماني التركي، جاءت بسبب التنمية الإقتصادية السريعة من جهة، ووجود الرئيس أرودغان صاحب الكريزما الملهمة، والقدرة الاستثنائية على حشد الجماهير خلفه من جهة أخرى .
ولكن هذه التنمية الإقتصادية السريعة قد تواجه نوعًا من الفتور يومًا ما، بسبب حرب إقليمية بدأت بوادرها في الظهور، أو ببساطة رحيل الرئيس أوردرغان، الأمر الذي قد تتلاشى معه البيئة الآمنة للقرار السياسي، عبر إنخفاض التأييد الشعبي للحزب الحاكم، ومن ثم تعود الزعزعة في القرار السياسي مرة أخرى .
ولمواجهة هذه المعضلة، يجب إزالة التعقيدات البرلمانية المنصوص عليها بالدستور، والتقليل من صلاحيات البرلمان، عبر تركيز السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية مع منحه صلاحيات تشريعية خطيرة، فضلًا عن منحه حرية اختيار الحكومة من دون موافقة البرلمان . وفي المقابل لايملك البرلمان إقالة الرئيس ، وليس بيده سوى اجراء التحقيقات اللازمة في تصرفات الرئيس التي قد يشوبها الشك .
وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا تحت غطاء شرعية معينة، ألا وهي تعزيز الديمقراطية، وتتمثل بالإنتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي .
لذلك فإن أبرز هذه الصلاحيات نصت على :
١ ) اختصاص رئيس الجمهورية في تعين الوزراء من داخل البرلمان أو من خارجه .
٢ ) إلغاء منصب رئاسة الوزراء، الأمر الذي يعني عدم حاجة الرئيس للتوافق مع الأحزاب السياسية لتشكيل الحكومة . وبعبارة أخرى التخلص من إبرام المفاوضات التي تتضمن نوع من التنازل لأجل تشكيل الحكومة .
٣ ) عدم قدرة البرلمان على إقالة الرئيس، مع الإحتفاظ بصلاحية البرلمان باجراء التحقيقات اللازمة .
٤ ) اختصاص الرئيس بتعيين أربعة أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء، في المقابل يمتلك البرلمان تعيين سبعة أعضاء . ولا يخفى عليكم بأنه غالبًا ما يكون لحزب الرئيس عدد مقاعد لابأس به في البرلمان.
٥ ) الرئيس غير مجبر على قطع صلته بحزبه السياسي .
٦ ) إلغاء المحاكم العسكرية ( محكمة الإستئناف العليا، والمحكمة الإدارية العسكرية ) .
٧ ) اختصاص رئيس الجمهورية في اقتراح تعديلات دستورية، وطرحها مباشرة للإستفتاء الشعبي دون عرضها على البرلمان .
٨ ) اختصاص رئيس الجمهورية باصدار مراسيم رئاسية لها قوة القانون، ولا يحده في ذلك سوى وجود قانون ينظم مسألة معينة .
٩) خفض سن الناخب إلى ١٨ سنة .
٩) أن تجرى الإنتخابات الرئاسية بتاريخ ٣/١١/٢٠١٩
وتجدر الإشارة إلى أن أغلب اختصاصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور الصادر سنة (١٩٨١م) لم تلغَ، بل تم تعزيزها، وأبرزها تعيين رئيس الأركان وقادة الجيوش، ووكلاء النيابة وعدد من قضاة مجلس الدولة، ورؤساء الجامعات وغيرها .
لذلك يمكننا القول بأن التعديلات الأخيرة جاءت لصالح مؤسسة الرئاسة على حساب البرلمان، أي أن الرئيس أصبح هو صاحب القوة الفعلية في البلاد لا يضارعه أحد .
والآن نأتي عند السؤال الأكثر إثارة : هل من شأن هذه التعديلات أن تنقل تركيا إلى المزيد من الديمقراطية !؟
” تقوى الحكومة الديمقراطية، ولا تضعف، حينما تواجه مجتمعًا مدنيًا نشيطًا ”
توكفيل
يرى الكثير من المفكرين السياسيين أن الديمقراطية تحتاج إلى أكثر من مجرد وصول حاكم عبر انتخابات نزيه، بل يجب أن تكون هناك مؤسسات قادرة على كبح جماحه حال وصوله للحكم، ويجب تعزيز آراء المعارضة عبر قنوات رسمية وأهلية محمية وفق الدستور، لضمان وجود بيئة تنافسية، ومن ثم تتوافر دائمًا بدائل أخرى للحزب الحاكم وآرائه . لذلك يجب علينا ألا نغفل عن أسباب استقرار أنظمة الحكم في الغرب، والتي لا تكتفي بمجرد ضمان نزاهة الانتخابات فقط، وفِي هذا الشأن يرى غرامشي أن : ” العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الغرب متناسبة، فعندما تهتز الدولة تتكشف في الحال بنية قوية في المجتمع المدني ”
ومن دون وجود بيئة تنافسية محمية، لا يكون أمام الأفراد خيارات وبدائل فعالة، الأمر الذين يجعلهم في حالة إذعان للسلطة، حتى لو كانت هذه السلطة منتخبة بأغلبية جماهيرية، إذ يظل هناك فضاء فارغ بين الدولة والأفراد، يستطيع من خلاله الحزب الحاكم خلق بيئة منحازة لآرائه وتوجهاته تحت غطاء حكم الأغلبية، وبعبارة أخرى يمهد هذا الفضاء إلى توطين نظام الحزب الواحد بشكل فعلي ، بحيث تتهمش قدرة الأفراد على تصور بدائل أخرى للحزب الحاكم، ومن ثم يصبح الإذعان للحزب الحاكم أمرًا واقعيًّا .
لذلك يصر ” ترومان” ، و”ألموند”، و”فيربا ” على حاجة الديمقراطية إلى مثل هذه البيئة التنافسية لضمان التوازن الذي يحقق درجة من الرضا والتشارك والتعاون عبر المؤسسات الرسمية والأهلية، فضلًا عن ضمان عدم قفز الحكومة المنتخبة من السلطة النسبية إلى المطلقة .
وإذا عدنا إلى تركيا، نجد أن الحزب الحاكم استطاع خلق بيئة منحازة له إلى درجة كبيرة، فمنذ وصوله للسلطة استطاع أن يصفي خصومه السياسين ويبعدهم عن ميدان السياسة، عبر اعتقال مجموعة كبيرة من الصحفيين بحجج أمنية، وإصدار قرارات إدارية بإغلاق بعض صحف المعارضة ومنابرهم الإعلامية، بل وحجب بعض المواقع الإلكترونية، وازدادت حدة هذه الإجراءات بعد الإنقلاب الفاشل، إذ تم إعلان حالة الطوارئ التي هيأت الأوضاع لسن قوانين من دون تدقيق فعّال من جانب البرلمان والسلطة القضائية .
فقد ورد في تقرير منظمة العفو الدولية لسنة ( ٢٠١٧/٢٠١٨ )، أن الحكومة التركية “قمعت المعارضة بلا هوادة؛ وكان من بين المستهدفين صحفيون، وناشطون سياسيون، ومدافعون عن حقوق الإنسان. ”
ويشر التقرير بأنه قد ” احتُجز تسعة من أعضاء البرلمان المنتمين لـ(حزب الشعوب الديمقراطي الكردي) اليساري المعارض، من بينهم قادة بالحزب، وهم رهن الحبس الاحتياطي تمهيدًا للمحاكمة، ظلوا داخل السجن خلال العام بأكمله. كما ظل ٦٠ رئيس بلدية منتخبًا داخل السجن، والذين ينتمون إلى (حزب المناطق الديمقراطي)، وهو الحزب الشقيق لـ(حزب الشعوب الديمقراطي)، الذي يمثل الدوائر في شرق وجنوب شرقي تركيا اللذين تقطنهما أغلبية كردية. كما ظل المسؤولون الذين لم يُنتخبوا وحلوا محلهم، في مناصبهم على مدار عام ٢٠١٧. وفي أكتوبر/تشرين الأول، لم يُترك أي خيار أمام ستة من رؤساء البلديات، من بينهم ممثلو العاصمة أنقرة واسطنبول، سوى الاستقالة من مناصبهم؛ وذلك بعدما طلب منهم رئيس الجمهورية ذلك؛ ومن ثم أصبح ثلث سكان تركيا لا يمثلهم الأشخاص الذين انتخبوهم في الانتخابات المحلية التي أُجريت في عام ( ٢٠١٦م ). ”
كما أن التقرير يشير إلى أن ” هناك ما يربو على ٥٠ ألف شخص محتجزًا رهن الحبس الاحتياطي، على خلفية جرائم تتعلق بالعضوية في (منظمة فتح الله غولن الإرهابية – حسبما جاء في التقرير – )، التي تُحملها السلطات مسؤولية تدبير محاولة الانقلاب في ٢٠١٦ “. كما جاء بالتقرير أن ” مجموع عدد العاملين المفصولين من العمل منذ يوليو/تموز ٢٠١٦ بلغ ١٠٧ ألف عامل ”
ولم تقتصر هذه الإجراءات الأمنية على الناشطين السياسين، بل طالت السلطة القضائية، فقد أشار التقرير ذاته ؛ بأن حالات الفصل أو الاعتقال طالت ثلث القضاة ووكلاء النيابة في تركيا، وقد وقع أغلبهم تحت الضغط السياسي الشديد، فضلًا عن أن بعض المعتقلين استمر حبسهم احتياطيًّا بشكل مطوّل، الأمر الذي اتسم معه بالتعسف والطابع التأديبي، وانتهاك معايير المحاكمة العادلة.
ومن هنا نجد أن الحزب الحاكم استطاع خلق بيئة منحازة إلى درجة كبيرة للتعديلات الدستورية التي تم طرحها على الاستفتاء الشعبي، إذ إن غياب الآراء المعارضِة للتعديلات الدستورية في الإعلام والبرلمان والقضاء ، أدى – على نحو كبير – إلى تهميش قدرة الأفراد على تصور بدائل أخرى للتعديلات الدستورية المقترحة، فضلًا عن تقليص قدرة الأفراد في معرفة مساوئ هذه التعديلات -إن وجدت- .
لذلك صار الأفراد في حالة إذعان للتعديلات الدستورية بشكل غير مباشر، وتتمثل هذه الحالة بخلو الساحة من الآراء الفعالة، التي قد تعارض التعديلات، وفِي الوقت ذاته كانت هناك دعاية كبيرة برعاية الحكومة لدعم التعديلات وبيان محاسنها، عبر المنابر الإعلامية المحسوبة عليها ومؤسسات الدولة الواقعة تحت نفوذها.
وبعيدًا عن الآراء المشحونة عاطيفًا بتأييد الرئيس ” أردوغان ” أو تلك المعارضة له، نجد بأن هذه التعديلات الدستورية تشرعن هيمنة الحزب الحاكم على المدى الطويل، عبر توفير ضمانات دستورية تكفل سيطرته على القرار السياسي، حتى لو قلة شعبيته في مقبل الأيام . بحسبان أن متطلبات السيطرة على القرار السياسي أصبحت أيسر بكثير، مما كان عليه الوضع في السابق، إذ إن مجرد الحصول على نسبة ( ٥١٪ ) من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، يكفي للسيطرة على القرار السياسي، بدلًا من الحصول على ثلثي مقاعد البرلمان في الوضع السابق .ولا ريب أن هذا الأمر يوفر على الحزب الحاكم جهدًا كبيرًا في طلب التأييد الشعبي .
وتتضاعف قدرة الحزب الحاكم في السيطرة على القرار السياسي في ظل وجود بيئة منحازة له بدرجة كبيرة، ومن ثم يصبح من السهل جدًا الحصول على الأغلبية العادية للفوز في منصب الرئاسة، لاسيما أن انتخابات الرئاسية تتم عبر الإقتراع المباشر من الشعب .
لذلك أرى بأن التعديلات الأخيرة وإن كانت تعزز الاستقرار في النظام السياسي التركي، إلا إنها لا تنقل تركيا إلى المزيد من الديمقراطية، بل تشرعن بقاء الحزب الحاكم على سدة الحكم بسلطات واسعة على المدى الطول .