” قد تكون نتيجة الحيف ( الظلم ) استقرار السكون ظَاهِرًا ، ولكنه إذا نزل بالنظام الاجتماعي فإنه يكون له بمثابة المرض المستكن في جسمٍ يبدو لرائيه أنه سليم من العلل ، ثم لا يلبث أن ( تنتشر ) أعراضه فجأة فتودي به وتورده موارد الهلاك ”
ف.جيلرامه
المدينة لا تنحصر في الاشتراك في محل الإقامة أو وجود جغرافيا محددة ، ولا في مباني شاهقة ، وإن هذه الشروط الأولية لا مندوحة عنها لوجود المدينة ، ولكن حتى مع اجتماعها فالمدينة لاتزال غير موجودة .
باعتبار أن وجود المدينة يتحدد بمدى اشتراك الأفراد في الإيمان بالقيم التي على أساسها تدار بها المدينة . إذن المدينة هي البنية العقلية للقيم المشتركة بين الأفراد .
والقول بغير ذلك ، يجعل من الإقطاعيات الزراعية والملكيات الخاصة الكبيرة مدنًا بالمعنى الحقيقي لها !
لذلك فإن الجماعة البشرية التي تشكل المدينة هي في الحقيقة لم تشترك في محل الإقامة وحسب ، بل تشترك في قيم معينة على نمط محدد .
ومن هذه القيم ” العدل” ، فكل جماعة لديها إيمان بضرورة توافر العدل ، ولكنها تتباين في تحديد معنى العدل وأنماطه .
ومن هنا ، ظهرت أهمية وظيفة القضاء ، بحسبان أن القضاء هو المسؤول عن المحافظة على قيمة العدل . ولكن القاضي بشرٌ في نهاية المطاف ، يصيب ويخطئ ، بل قد يتعمد الظلم بشكلٍ أو بآخر .
وهنا يدق ناقوس الخطر ، إذ إن خطأ القاضي الجسيم أو حكمه الصريح بالظلم ، له نتائج وخيمة لا على المظلوم وحسب ، بل على الجماعة بأسرها ، باعتبار أن الجماعة تنتظر دائمًا من القضاء ممارسة العدل والحفاظ على وجوده ، فمتى صدر الظلم منه ، يبدأ شعور المجتمع اتجاه العدل بالانقسام والتراجع ، وعلى أثر ذلك تتشظى القيمة المشتركة للعدل عند الجماعة ، وهكذا .
إذن آثار الظلم هنا ليست لازمة قاصرة على شخص المظلوم ، بل هي متعدية تصيب وحدة شعور المجتمع اتجاه العدل ، لذلك فإن التفريط بالعدل بالضرورة تفريط بالجماعة . وفِي هذا الشأن قال ( لابرويير ) :
” إن المذنب الذي حقت العقوبة عليه إنما هو العبرة الزاجرة لطبقة الهمل والمتشردين ، أما البريء الذي يحكم عليه عدوانًا وظلمًا فكل أشراف الناس وخيارهم ذلك الرجل ”
لذلك يجب علينا نحن كأفراد ألا نقبل بالظلم ، حتى مع خصومنا السياسيين ، بل حتى مع الفتاك المجرمين ، لا سيما أن العدل سبب من أسباب ووحدتنا الاجتماعية والسياسية .
ووقوفنا مع المظلوم ليس انتصارًا لأفكاره وحبًا لذاته ، بل انتصارًا للعدل وحبًا للجماعة ، هكذا نستطيع فهم مقولة ابن خلدون الشهيرة بأن :” الظلم يأذن بخراب العمران ” .
والظلم الذي نحن بصدده لا يقع علينا فجأة ، بل له بدايات . ويبدأ عندما نقبل بخرم جدار العدالة لقمع خصومنا السياسيين أو تحقيقًا لأطماع معينة مرة تلو الأخرى ، ثم لا يلبث أن يتسع الخرم إلى أن يصل إلينا الظلم ، وعندها لا نستطيع دفعه ،باعتبار أن العدل قد نكتسبه ، ولكن استرداده أمرٌ مستحيل .