“السياسي هو العَدَّاء الأشد عمقًا وتطرفًا ، وتزداد سياسته عداءً ، بازدياد اقترابه من النقطة الأكثر تطرفًا ، نقطة تصنيف الناس إلى أصدقاء وأعداء . ”
كارل شميت
السياسي وفق منطق الدولة الحديثة هو رجل آخر يختلف تمامًا عن الأخلاقي ، والسبب في ذلك يكمن في الفلسفة ” الوضعية القانونية ” والتي تعد بحق قوام الدولة الحديثة .
بدأت فلسفة القانون الوضعي عند نقطة جوهرية ؛ وهي أن صاحب القوة هو المختص بإصدار القانون ، بحسبان أنه هو الوحيد القادر على ضمان نفاذها . ومن هنا سلبت الكنسية سلطتها في تفسير أو انتاج القوانين الكنسية لصالح الملوك . وبهذا قال هوبز الذي أكد : ” على أن إرادة الحاكم (صاحب السيادة ) هي المصدر الوحيد للقانون ، فالقانون لا يستطيع أن يستمد شرعيته إلا بفضل حكومة تمتلك القدرة على إنفاذ أوامر القانون ” . أي أن السلطة والقواعد الوضعية غير قابلتين للإنفصال .
والناظر في هذا يجد أن هذه الفلسفة لها جذور عميقة في فلسفة بروتاغورس اليوناني السوفسطائي ( القرن الخامس قبل التاريخ ) التي قامت على فكرة أن الإنسان هو مقياس كل شيء . وكذلك في المذهب الانساني الذي ظهر في عصر النهضة الذي يدعو إلى تمجيد الإنسان وإبرازه كفرد مستقل بذاته وباستقلالية ذاتيته ، أي تستقل ارادته الكامنة فيها فيستمد القوة منها في كل ما يقرره .
فهذا المنطق أَدى إلى التحرر من كل قيد تاريخي أو ديني ، وقلب الأمر إلى سيطرة العقل -المحرر من كل قيد – على كل شيء ، ومن هنا صارت الأخلاق توضع والقانون يوضع وكل أمر يوضع ، لا يوجد أمر مقدس واجب الاتباع .
وعندما قامت ديمقراطيات أوروبا، نقلوا حق الملوك في وضع القوانين إلى البرلمانات ، دون اعتراض أو نقض لمضمون الفلسفة الوضعية ، والتي تعمل على توحيد السلطة مع قواعد وضع القانون أو بمعنى أخر تجعل السياسي والقانوني شخصية واحدة ، وأعتقد أن لولاها – الوضعية القانونية -لما قامت هذه الديمقراطيات .
وفي الحقيقة هم تخلصوا من النصوص الدينية والقيود التراثية بدعاية التحرر ، وفي ذات الوقت وضعوا قواعد قانونية وأَضفوا عليها نوعًا من القدسية العقلية بحيث لا يجوز لأحد تغيرها إلا باجراءات مشددة ، بل مستحيلة في بعض الأحيان ،وبعبارة أخرى تخلصوا من قدسية معينة ليحلوا محلها قدسية أخرى .!
لذلك هم يَرَوْن بأن القواعد الأخلاقية هي من اكتشافات العقل الإنساني فقط لا علاقة لها بالنصوص الدينية أو التراث وأملتها الفكرة النفعية . وهذا التعريف مهد الطريق للفجوة بين الأخلاق والقانون أو “ما هو كائن” و “ماينبغي أن يكون “.
وعلى أثر هذه الفجوة بين الأخلاق والقانون ، أصبح من السهل علينا تقبل فكرة وجود نصوص قانونية تتنافي مع الأخلاق ، بل تحاربها وتقمعها في بعض الأحيان . بحسبان أن الأخلاق والقانون ليسوا شيء واحد في الدولة الحديثة . وفِي هذا قال د.وئل حلاق :” الدولة الحديثة لا يمكن أن تُقام على أسس أخلاقية ، كما لا يمكن أن تعمل وجوديًا ككيان أخلاقي. ” وكأن القانون يأتي من دولة يقف الأفراد ازاءها بلا أخلاق .
وهذه الفجوة أو الثنائية تبرز عندما يتم اثارة هذا السؤال : هل يجب على السياسي أن يتقيد بالسلوك الأخلاقي ؟
والحقيقة المؤلمة أن الدولة الحديثة لا ترى قيمة أخلاقية تستحق الحماية مالم يقررها القانون . لذلك يقول جفري مارشال : ” ثمة قناعة ما من حقٍّ أخلاقي ، عمومًا في معصية القانون ” . والقول بغير ذلك ؛ يؤدي إلى تحدي الإرادة السيادية في الدولة الحديثة.
ولا ينال من ذلك ما يظنه الظانّ بأن المحاكم تستطيع بما لها من سلطة تهذيب السياسي وحماية الأخلاق ، باعتبار أن المحاكم في الدولة الحديثة لم تنشأ لذلك ، بل أنشئت لدعم وتأييد القانون فقط ، وليس لها أَن تتناول بالاهتمام خير القانون أو شره .
لذلك يظهر لنا في الدولة الحديثة سياسي مستعد دائمًا لهدم الأخلاق في سبيلإعلاء القانون فقط .