العدالة .. وصرامة القانون

” يعني حكم القانون في أعمق معانيه وجود إجماع ضمن المجتمع على أن قوانينه عادلة ”

فرانسيس فوكوياما

يبدأ انحطاط النظام القانوني عندما تظهر نقطة اختلال التوازن بين القانون والشأن السياسي، بحسبان أن هناك مساحة بين النظام القانوني والشأن السياسي، وفِيها يكون الإنسان غير خاضع لحكم القانون وحسب، بل كذلك خاضع للوضع السياسي العام .

فإذا تنكب القانون للوضع السياسي العام ولم يتكيف معه، فإنه في الحقيقة يقطع الصِّلة التي تربط القانون بالحياة السياسية أو بتعبير فوكو ” السياسة الحيوية “، ومن دون هذه الصِّلة يفقد القانون حياته، باعتبار أن شرعية القانون تأتي من هذه السياسة الحيوية .

لذلك أصر ” كارل شميت ” في محاولته الطموحة على التفرق بين قواعد القانون وقواعد تنفيذ القانون، بحسبان أنه في الحالة الأخيرة فقط نستطيع تأسيس حالات الضرورة أو الظروف السياسية المتقلبة .

لذلك لا يمكن إهمال الوضع السياسي أو الظروف الواقعية بمقولة: أن القانون لا يجامل أحدًا، وذلك لأن القانون ليس شيئًا جامدًا كأنه لا يخاطب المجتمع وظروفه المتغيرة، والقول بغير ذلك يجعل القانون في صراع مباشر مع المجتمع، بدًلا من أن يكون مرآة صادقة عن أحواله وظروفه السياسية .

ومن هنا نستطيع فهم المقولة الشهيرة : “وظيفة القضاء تهذيب صرامة القانون ” ، اذ لو أمعنا النظر فيها لوجدنا أن معناها الحقيقي ؛ هو أن وظيفة القضاء تكمن في محاولة تطويع القانون لظروف المجتمع المتغيرة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وليس العكس .

لذلك يبدأ الشعور بعدم عدالة القانون حين تفشل الأنظمة القانونية في التكييف مع الظروف السياسية المتغيرة ،لاسيما حين تفشل في احتواء الشأن السياسي العام .

وعلة ذلك ؛ هو التناقض بين الواقع السياسي ومبادئ شرعية النظام القانوني التي تدور حول السيادة الشعبية في إصدار القانون ذاته .

وهذا التناقض له عواقب وخيمة في حال استمراره، باعتبار أن هذا التناقض يجعل القانون في حالة انحسار مستمر، الأمر الذي تتلاشى معه قيمة القانون في المجتمع شيئًا فشيئًا .

لذلك علينا دائمًا وضع الظروف السياسية في حساباتنا القانونية عبر تخفيف حدة أحكام القانون، أوتشديدها اذا اقتضت الأوضاع السياسية ذلك ، خصوصًا عندما نواجه صخرة الواقع التي تتكسر عليها كل مثالية ( وضعية ) حتى لو كان القانون ذاته .